ابن كثير
18
البداية والنهاية
إلى أن أطفأ سرج النجوم ، ومزقت أديم السماء ، ومحت ما فوقه من الرقوم ، فكنا كما قال تعالى ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ) [ البقرة : 19 ] ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق ، لا عاصم لخطف الابصار ، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار . وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا ، ونفروا من دورهم خفافا وثقالا ، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، فاعتصموا بالمساجد الجامعة ، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ، بوجوه عانية ، ونفوس عن الأهل والمال سالية ، ينظرون من طرف خفي ، ويتوقعون أي خطب جلي ، قد انقطعت من الحياة علقهم ، وعميت عن النجاة طرقهم ، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون ، وقاموا على صلاتهم وودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون ، إلى أن أذن بالركود ، وأسعف الهاجدون بالهجود ، فأصبح كل مسلم على رفيقه ، ويهنيه بسلامة طريقه ، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة ، وأفاق بعد الصيحة والصرخة ، وأن الله قد رد له الكرة ، وأحياه بعد أن كان يأخذه على غرة ، ووردت الاخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار ، والأشجار في القفار ، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار ، ومنهم من فر فلا ينفعه الفرار . إلى أن قال " ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفا والعلم مجوفا ، فالامر أعظم ، ولكن الله سلم ، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعظنا ، ونبهنا بما فيه ولهنا ، فما من عباده إلا من رأى القيامة عيانا ، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا ، إلا أهل بلدنا فما قص الأولون مثلها في المثلات ، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات ، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها ، ولا يخبر عنا ، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور ، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور " . وفيها كتب القاضي الفاضل من مصر إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج ، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم ، وحفظ حوزة الاسلام ، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب " هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار ، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار ، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه ، فتلك نعم الله عليه ، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه ، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف ، فما أسعد تلك الوقفات وما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات " . وكتب أيضا " أدام الله ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر والطروس ، وحياه للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس ، وعرف المملوك من الامر الذي اقتضته المشاهدة ، وجرت به العافية في سرور ، ولا يزيد على سيبه الحال بقوله : ألم تر أن المرء تدوي يمينه * فيقطعها عمدا ليسلم سائره ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه ، ومن قلم من الإصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا ، ودفع عنه ضررا ، وتجشم المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سببا إلى المحمود ، وآخر سنوه أول كل غزوه ، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها ، وتجشم الكلف وحملها ، فهو إذا صرف